ثمة خطأ يتكرر في قراءة واقع كثير من المجتمعات المحلية في موريتانيا، وهو الاعتقاد بأن التاريخ وحده هو المسؤول عن حاضرها. نستدعي الحروب، ونستحضر المؤامرات، ونعدد المظالم، ثم ننتهي إلى نتيجة واحدة: لو لم يقع ما وقع قبل قرن أو قرنين، لكان واقعنا مختلفًا.
قد يكون ذلك صحيحًا في تفسير البدايات، لكنه لا يكفي لتفسير الحاضر.
فالتاريخ يفسر كيف بدأت الأزمة، لكنه لا يفسر لماذا استمرت بعد أن تغير كل شيء.
وتامورت انعاج تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الحقيقة.
فهذه المنطقة ليست هامشًا طارئًا في تاريخ تكانت، بل من أقدم مواطن العمران فيها. ففي أواخر القرن السابع عشر قامت بها حاضرة كصر البركة، وازدهرت المحاظر، واستقرت الزوايا، ونشطت الزراعة والتجارة، وتحولت إلى محطة رئيسية على طرق القوافل بين بلاد شنقيط ومالي والمغرب الأقصى، حتى غدت إحدى أهم البيئات الاقتصادية والعلمية في المنطقة.
ثم جاءت الحروب، وتعطلت التجارة، وتراجعت القوة الاقتصادية، ودخل المجتمع مرحلة طويلة من الانكماش.
لكن تلك الحروب انتهت.
وتغيرت الدول.
وتبدلت موازين القوة.
وتعاقبت أجيال لم تعش تلك الوقائع أصلًا.
فما الذي يجعل آثارها حاضرة إلى اليوم؟
الإجابة، في تقديري، لا تكمن في الماضي، بل في الحاضر.
إن المشكلة لم تعد في التاريخ، وإنما في غياب الوعي السياسي الجماعي.
لقد تغيرت قواعد القوة في الدولة الحديثة. فلم تعد القبائل تنتصر بالسيف، ولا المناطق تفرض حضورها بمجرد أمجادها التاريخية، بل أصبح النفوذ يُبنى بالمعرفة، والتنظيم، والإحصاءات، والقدرة على صياغة خطاب موحد، وتحويل المصالح المشتركة إلى برامج عمل ومطالب عقلانية.
وهنا تتقدم تامورت انعاج بكل عناصر القوة التي يمكن أن تؤهلها لذلك.
ثقل ديموغرافي معتبر.
جغرافيا واسعة وغنية.
موارد طبيعية واعدة.
إرث تاريخي وثقافي راسخ.
عدد متزايد من الأطر والكفاءات.
ومع ذلك، فإن العائد السياسي والتنموي لا يزال دون مستوى هذه الإمكانات.
وهنا ينبغي أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بأن جزءًا من المشكلة يوجد داخلنا.
لقد أخفقت النخب المحلية، في كثير من الأحيان، في إنتاج مشروع جماعي يتجاوز الأشخاص والولاءات الظرفية. فبدل أن تتحول الكفاءات إلى شبكة تأثير، بقيت جهودًا متفرقة. وبدل أن يتحول التنوع إلى تكامل، أصبح سببًا للتشتت. وبدل أن يكون الاختلاف السياسي وسيلة لتعدد الرؤى، تحول أحيانًا إلى خصومات تستهلك الطاقات وتُضعف الموقف الجماعي.
والسياسة لا تعرف الفراغ.
فحين يغيب الصوت الموحد، تتراجع الأولويات المحلية تلقائيًا أمام أولويات من يعرف كيف ينظم نفسه ويدافع عن مصالحه.
إن الدول، في الغالب، لا توزع الفرص بناءً على العاطفة، بل تتفاعل مع المجتمعات الأكثر تنظيمًا، والأوضح رؤية، والأقدر على عرض مطالبها ضمن إطار وطني مسؤول.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد: لماذا تأخرت تامورت انعاج؟
بل أصبح: لماذا لم تستثمر كل عناصر قوتها بعد؟
إن الوعي السياسي ليس رفع الشعارات، ولا الاكتفاء بانتقاد الآخرين، وإنما هو القدرة على بناء إجماع محلي حول القضايا الكبرى، بحيث تختلف النخب في السياسة، لكنها لا تختلف على مصالح مجتمعها.
إن المجتمع الناضج هو الذي يتنافس أفراده على خدمة منطقتهم، لا على احتكار تمثيلها.
وهو الذي يدرك أن القوة ليست في عدد الأطر وحده، بل في قدرتهم على العمل بروح الفريق.
وليست في كثرة المنتخبين، بل في توحيد أولوياتهم.
وليست في كثرة الأصوات، بل في وحدة الرسالة.
إن تامورت انعاج لا تحتاج اليوم إلى خطاب يستجدي الحقوق، لأن الحقوق لا تُستجدى، ولا تحتاج إلى خطاب يوزع الاتهامات، لأن الاتهام لا يبني تنمية.
إنها تحتاج إلى مشروع نخبوي جديد، يؤمن بأن احترام الدولة يقتضي مخاطبتها بلغة المؤسسات، وأن العدالة لا تتحقق إلا عندما تُطرح المطالب وفق معايير موضوعية تستند إلى الوزن الديموغرافي، والموقع الاستراتيجي، والإسهام الاقتصادي، والكفاءة البشرية.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم قد تُهزم في معركة، لكنها لا تبقى مهزومة إذا امتلكت إرادة النهوض.
أما المجتمعات التي تستمر في تعليق حاضرها على أخطاء الماضي، فإنها تمنح التاريخ سلطةً لا يستحقها، وتتنازل عن مسؤوليتها في صناعة المستقبل.
ولعل أخطر أشكال التهميش ليس أن تتأخر عنك التنمية، بل أن تتأخر عن إدراك أسباب تأخرها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لتامورت انعاج اليوم ليست مع الماضي، ولا مع الجغرافيا، ولا مع الدولة...
إنها مع بناء وعي جماعي جديد، يدرك أن الأمم لا تصنعها كثرة الإمكانات، وإنما تصنعها حسن إدارة تلك الإمكانات، وأن المجتمعات التي تعرف نفسها جيدًا، وتجتمع على مصالحها، يصعب أن تبقى على هامش التاريخ أو على هامش القرار.
حمادي سيدي محمد اباتي







