حين يبدأ رجل النظام في سؤال النظام

بواسطة عبد الله لبات

سيدي محمد ولد محم وخطاب آدرار: هل نحن أمام مراجعة سياسية أم إعادة تموضع داخل السلطة؟

ليس كل ما يقال في السياسة يُقال للمعنى الذي يبدو عليه لأول وهلة.

وأحياناً تكون أهمية التصريح السياسي في الأسئلة التي يفتحها، لا في الأجوبة التي يقدمها.

من هذه الزاوية، يصعب التعامل مع التصريح الأخير للوزير السابق ورئيس الحزب الحاكم سابقاً، سيدي محمد ولد محم، عقب خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في آدرار، باعتباره مجرد إشادة بخطاب رئاسي أو مجاملة سياسية عابرة.

فالرجل لم يتحدث فقط عن زيارة رئاسية، ولا عن مشاريع تنموية، ولا عن حصيلة سبع سنوات من الحكم. لقد ذهب مباشرة إلى منطقة أكثر حساسية: مستقبل الدولة، والحكامة، والمنظومة المؤسسية، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، بل وحتى صلاحية النظام شبه الرئاسي نفسه.

وقد وصفت الوكالة الموريتانية للأنباء حديثه عن إعادة طرح الرئيس لسؤال المختار ولد داداه: «أي موريتانيا نريد؟» بأنه دعوة إلى مراجعة الحكامة الوطنية والمنظومة المؤسسية والاقتصادية، وربط ذلك بالحوار الوطني المرتقب.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية:

من الدفاع عن النظام إلى مساءلة المنظومة

سيدي محمد ولد محم ليس مراقباً محايداً جاء من خارج التجربة السياسية ليقدم رأياً أكاديمياً في الدولة.

لقد كان لسنوات في قلب السلطة والحزب الحاكم. وترأس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي كان الحزب الحاكم آنذاك، وشارك في إدارة المرحلة السياسية التي سبقت انتقال السلطة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وفي مارس 2019، ترأس المؤتمر الثاني للحزب الذي أقر دعم ترشح محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني للرئاسة.

هذه الخلفية ليست تفصيلاً.

لأن الكلام عن «مراجعة المنظومة» عندما يصدر عن رجل كان أحد أبرز المدافعين عن منظومة الحكم، يكتسب معنى مختلفاً عن الكلام نفسه عندما يصدر عن معارض تقليدي.

في السابق كان المطلوب من رجل الحزب أن يشرح للناس لماذا ينبغي استمرار المشروع السياسي القائم.

أما اليوم، فإن اللغة التي يستخدمها ولد محم أصبحت أقرب إلى السؤال:

هل ما زالت الأدوات التي أدارت بها الدولة مراحلها السابقة صالحة لإدارة المرحلة القادمة؟

وهذا انتقال مهم، حتى لو لم يكن انقلاباً على الماضي.

السؤال الذي خرج من أطار

الرئيس الغزواني لم يطرح في أطار سؤالاً عادياً.

لقد أعاد إلى الواجهة سؤالاً تاريخياً ارتبط بالرئيس المؤسس المختار ولد داداه: أي موريتانيا نريد؟

لكن قيمة السؤال في 2026 لا تكمن في استحضار التاريخ لذاته.

موريتانيا التي كانت تبحث عن شكل الدولة في سنوات الاستقلال الأولى ليست موريتانيا اليوم.

الدولة توسعت، والمجتمع تغير، والاقتصاد تغير، والطبقات الاجتماعية تغيرت، والتعليم والهجرة والتحضر والموارد الطبيعية والعلاقات الإقليمية كلها أعادت تشكيل البلد.

لذلك فإن السؤال، إذا كان جاداً، لا يمكن أن يكون: أي موريتانيا نريد كشعار؟

بل: أي دولة نريد؟ وكيف نريد أن تُدار؟ ولمن تكون الثروة؟ وكيف توزع الفرص؟ وما المؤسسات القادرة على ضمان ذلك؟

وهنا تحديداً التقط ولد محم الخيط.

فقد تحدث عن إعادة تقييم السياسات العامة والعلاقات مع الجوار، وعن الحكامة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، بل فتح باب النقاش حول «نجاعة النظام شبه الرئاسي» وإمكانية بحث خيارات دستورية أخرى.

هذه ليست لغة حملة انتخابية.

إنها لغة مراجعة سياسية.

وهي أخطر ما في التصريح

اخطر ما قاله ولد محم، في تقديري، ليس حديثه عن الحوار.

فالحوار أصبح منذ سنوات جزءاً من القاموس السياسي الموريتاني.

الأخطر هو انتقال النقاش من:من يحكم؟ إلى: كيف تُحكم موريتانيا؟ وهذا فرق هائل.

فقد اعتادت السياسة الموريتانية أن تدور حول الأشخاص والتحالفات والانتخابات والمواقع.

أما الحديث عن الحكامة، وبنية المؤسسات، وشكل النظام السياسي، وتوزيع الثروة، فهو حديث عن قواعد اللعبة نفسها.

وهنا يصبح الحوار المرتقب أمام اختبار حقيقي: هل سيكون مجرد جلسة تفاوض بين السلطة والمعارضة؟

أم سيكون مناسبة لمناقشة الأسئلة التي تراكمت داخل الدولة والمجتمع منذ عقود؟

إذا كان الأول، فإننا أمام جولة سياسية جديدة. أما إذا كان الثاني، فنحن أمام شيء مختلف تماماً.

ولد محم: هل غادر السلطة أم يعيد تعريف موقعه داخلها؟

هذه هي المسألة التي لا ينبغي القفز فوقها. فهناك من قد يقرأ كلام ولد محم باعتباره تمهيداً لدور سياسي جديد.

وقد يرى آخرون فيه محاولة لإعادة التموضع داخل المرحلة القادمة.

لكن أياً من القراءتين لا يمكن إثباتها من تصريح واحد.

فالأكثر وضوحاً هو شيء آخر:

ولد محم لم يغادر دائرة السلطة السياسية، لكنه لم يعد يتحدث بلغتها القديمة فقط.

وهذا فارق مهم.فالرجل الذي كان في مرحلة سابقة معنياً بالدفاع عن النظام، أصبح اليوم معنياً أيضاً بالتفكير في مستقبل المنظومة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح معارضاً للنظام، ولا أنه تراجع عن مواقفه السابقة.

بل ربما يعني أن الرجل أدرك، كما أدركت السلطة نفسها، أن مرحلة ما بعد الاستقرار تحتاج إلى أسئلة مختلفة عن أسئلة مرحلة الوصول إلى الاستقرار.

من (الاستمرارية) إلى (المراجعة)

في 2019 كان خطاب السلطة الجديدة مشبعاً بفكرة الاستمرارية؛ فقد كان الحزب الحاكم يعلن دعمه للرئيس الجديد وبرنامجه، ويتحدث عن مواصلة المشروع الوطني ضمن إطار الدولة والمؤسسات.

واليوم يظهر في خطاب ولد محم مفهوم آخر:

المراجعة

لكن المراجعة ليست بالضرورة نقيض الاستمرارية. فيمكن أن تكون الدولة مستمرة، بينما تتغير أدوات إدارتها.

ويمكن أن تبقى الثوابت قائمة، بينما يعاد النظر في المؤسسات.

كذلك يمكن أن يبقى النظام جمهورياً، بينما يناقش المجتمع مدى نجاعة توزيع الصلاحيات داخله.

وهذا هو بالضبط الإطار الذي اختاره ولد محم في تصريحه؛ فقد ميز بين الثوابت الوطنية وبين المنظومات والسياسات التي يمكن مراجعتها.

لماذا النظام شبه الرئاسي؟

هنا تصبح المسألة أكثر جدية: أن تقول إن الإدارة تحتاج إلى تحسين، فهذا حديث مألوف.

كذلك أن تقول إن الاقتصاد يحتاج إلى إصلاح، فهذا حديث متكرر.

لكن أن تضع النظام شبه الرئاسي نفسه على طاولة النقاش، فهذه خطوة مختلفة.

ولد محم لم يدعُ صراحة إلى نظام برلماني، ولم يقل إن النظام الحالي فشل.

لكنه قال إن من المشروع بحث مدى نجاعة النظام شبه الرئاسي، بل ودراسة خيارات دستورية أخرى.

وهذا يعني أن السؤال لم يعد متعلقاً بالأشخاص. إنه متعلق بتوزيع السلطة.

من يقرر؟

من يراقب؟

ما حدود صلاحيات المؤسسات؟

كيف يتحقق التوازن؟

كيف تتحول الانتخابات من آلية لتغيير الأشخاص إلى آلية لتحسين أداء الدولة؟

هذه أسئلة لا يمكن أن تُحسم بالشعارات.

وهنا تأتي مسؤولية المعارضة أيضاً

سيكون من السهل جداً أن تتحول هذه اللحظة إلى معركة سياسية تقليدية:

السلطة تقول إنجازات.

المعارضة تقول إخفاقات.

الأغلبية تدافع.

المعارضة تنتقد.

ثم ينتهي الحوار كما بدأت حوارات كثيرة من قبل.

لكن إذا كان السؤال فعلاً هو: (أي موريتانيا نريد؟)

فإن المعارضة مطالبة أيضاً بالخروج من سؤال: (من يحكم؟)

إلى سؤال:(كيف ينبغي أن تحكم موريتانيا؟)

فالبلد لا يحتاج فقط إلى تغيير الوجوه.

يحتاج إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص، وقواعد أكثر وضوحاً من التحالفات، وإدارة أكثر كفاءة من الولاءات، وسياسات اجتماعية واقتصادية يمكن قياس نتائجها.

أما ولد محم، فعليه أن يذهب إلى النهاية

إذا كان الرجل يعني فعلاً ما قاله، فإن الخطوة التالية ليست المزيد من الخطب.

الخطوة التالية هي التفاصيل.

  • ما الذي ينبغي تغييره في النظام شبه الرئاسي؟
  • ما الذي يحتاج إلى تعديل في الدستور؟
  • ما شكل الحكامة التي يقترحها؟
  • كيف تعالج اختلالات توزيع الثروة؟
  • كيف تصبح العدالة الاجتماعية سياسة قابلة للقياس، لا شعاراً سياسياً؟
  • ما موقع الأحزاب؟
  • ما حدود العلاقة بين الدولة والنخب الاجتماعية؟
  • كيف يمكن الانتقال من دولة تعتمد على الأشخاص إلى دولة تحكمها المؤسسات؟

هنا فقط سيعرف الموريتانيون إن كان حديث آدرار مجرد خطاب سياسي قوي، أم أنه بداية تفكير سياسي مختلف.

الرجل الذي كان داخل النظام يطرح الآن سؤال النظام

وهذه هي المفارقة التي تجعل تصريح ولد محم جديراً بالقراءة. فالرجل ليس وافداً جديداً على السياسة.

إنه من أبناء المرحلة السياسية التي يطلب اليوم إعادة تقييمها. ولذلك فإن كلماته تحمل وزناً خاصاً.

لكن الوزن لا يعني العصمة، كما أن قرب الرجل من السلطة لا يعني بالضرورة أن كل ما يقوله مجرد رسالة تكتيكية.

الحقيقة ستظهر في الخطوة التالية.

فإذا تحولت «المراجعة» إلى مقترحات، وتحولت الأسئلة إلى سياسات، وتحول الحوار إلى إصلاحات قابلة للقياس، فسنكون أمام بداية مرحلة سياسية جديدة.

أما إذا بقيت المفردات الكبيرة معلقة في الهواء، فسوف نكون أمام فصل جديد من الخطاب السياسي الموريتاني، حيث تتغير الكلمات بينما تبقى قواعد اللعبة على حالها.

في النهاية: آدرار لم تطرح سؤال الماضي فقط

ربما كانت أهم رسالة في خطاب آدرار أن السؤال الذي طرحه المختار ولد داداه قبل سبعين عاماً عاد اليوم إلى الواجهة. لكن موريتانيا لا تحتاج إلى إجابة تاريخية عن السؤال. فهي تحتاج إلى إجابة معاصرة.أي موريتانيا نريد في 2030؟

موريتانيا التي تتغير فيها الوجوه فقط؟ أم موريتانيا التي تتغير فيها طريقة إدارة الدولة؟

موريتانيا التي تتوزع فيها المناصب وفق موازين النفوذ؟

أم موريتانيا يصبح فيها معيار الكفاءة والمؤسسة والقانون أقوى من كل الاعتبارات الأخرى؟

موريتانيا التي تقيس نجاحها بعدد المشاريع والخطب؟ أم موريتانيا تقيسه بما تغير فعلاً في حياة المواطن؟

هنا بالضبط تكمن قيمة السؤال.

وهنا أيضاً تكمن مسؤولية الذين يملكون القدرة على الإجابة.

أما سيدي محمد ولد محم، فإن تصريحه في آدرار وضعه مرة أخرى في قلب المشهد السياسي، ولكن هذه المرة ليس بوصفه رجل حزب يدافع عن سلطة قائمة، بل بوصفه سياسياً يشارك في طرح السؤال الأصعب:إذا كنا قد بنينا الدولة، فهل حان الوقت الآن لإعادة بناء طريقة إدارتها؟

عبد الله لبات