تواجه الإدارة العمومية في موريتانيا جملة من التحديات المزمنة التي تنعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى فعالية المؤسسات العمومية. وبينما يركز النقاش العام غالبًا على ضعف الموارد أو قصور السياسات، يظل ملف عمال PNP (Personnel Non Permanent) من أكثر الملفات التي تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية العدالة الاجتماعية، بل أيضًا من زاوية تأثيره المحتمل على أداء الإدارة والدولة ككل.
فقد أصبحت هذه الفئة، مع مرور الزمن، جزءًا أساسيًا من البنية البشرية للمؤسسات العمومية. ففي قطاعات متعددة، وعلى رأسها التعليم، يعتمد سير العمل اليومي بدرجة كبيرة على عمال PNP. فالتعليم الأساسي والثانوي، والتعليم العالي، والتكوين الفني والمهني، كلها قطاعات تشغل أعدادًا معتبرة من هذه الفئة التي تؤدي مهام التدريس والتأطير والإدارة والخدمات المساندة.
واللافت أن هذه العمالة التي تصنف قانونيًا باعتبارها "غير دائمة" تمارس في الواقع وظائف دائمة وأساسية، بل إن كثيرًا من أفرادها أمضوا سنوات طويلة، وربما عقودًا، في خدمة الدولة دون أن تنعكس تلك الخبرة والأقدمية على وضعيتهم المهنية بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة المهام التي يؤدونها.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن لمرفق عمومي أن يعتمد بشكل واسع ومستمر على عمال غير دائمين لتسيير وظائف دائمة؟ وهل يمكن الحديث عن إدارة مستقرة وفعالة في ظل استمرار هذا التناقض؟
إن استقرار الموارد البشرية يعد أحد أهم شروط نجاح المؤسسات الحديثة. فالموظف الذي يتمتع بوضعية واضحة وآفاق مهنية مستقرة يكون أكثر قدرة على التخطيط لمستقبله وأكثر ارتباطًا بمؤسسته وأكثر استعدادًا لبذل الجهد وتطوير مهاراته. أما عندما تتحول الوعود بالترسيم أو التسوية إلى حالة انتظار مفتوحة تمتد لسنوات طويلة، فإن ذلك يترك آثارًا نفسية ومهنية يصعب تجاهلها.
ولعل من المبالغة تحميل عمال PNP مسؤولية تدهور الإدارة أو ضعف المنظومة التعليمية، فهذه مشكلات مركبة تتداخل فيها عوامل عديدة تتعلق بالتسيير والتمويل والتخطيط والرقابة. لكن من الصعب أيضًا إنكار أن هشاشة الوضعية المهنية لآلاف العاملين قد تسهم في إضعاف الحافزية وتراجع الشعور بالانتماء المؤسسي، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الأداء.
كما أن النقاش حول إصلاح الإدارة لا يمكن أن يتجاهل بعض الظواهر السلبية التي أصبحت محل تذمر واسع لدى المواطنين، مثل الرشوة وابتزاز المراجعين وتعطيل المصالح. صحيح أن هذه السلوكيات لا يمكن تبريرها أخلاقيًا أو قانونيًا تحت أي ظرف، كما أن مرتكبيها يتحملون مسؤوليتهم الفردية كاملة، إلا أن فهم الظاهرة يقتضي النظر أيضًا إلى البيئة التي تنشأ فيها.
ففي بعض الحالات، قد يؤدي ضعف الرواتب أو انعدام الاستقرار الوظيفي أو طول الانتظار دون أفق واضح إلى خلق بيئة أكثر قابلية لظهور بعض الممارسات المنحرفة، خاصة عندما يقترن ذلك بضعف الرقابة والمساءلة. ولا يعني ذلك أن الفقر أو هشاشة الوضعية المهنية ينتجان الفساد بالضرورة، فهناك موظفون محدودو الدخل يتمتعون بدرجة عالية من النزاهة، كما أن الفساد قد يوجد لدى أصحاب الامتيازات المرتفعة أيضًا. لكن الإدارة التي تريد مكافحة الفساد بفعالية لا يكفيها تشديد العقوبات وحده، بل تحتاج كذلك إلى توفير ظروف مهنية عادلة تحفظ كرامة العامل وتمنحه شعورًا بالاستقرار والإنصاف.
ومن هذه الزاوية، فإن ملف PNP لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مطلب فئوي يتعلق بالترسيم أو تحسين الوضعيات الإدارية، بل باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإصلاح الإدارة العمومية. فالإدارة القوية لا تبنى فقط بالنصوص القانونية والهياكل التنظيمية، وإنما تبنى كذلك بموارد بشرية مستقرة ومحفزة تشعر بأن الدولة تعترف بدورها وتكافئ جهودها.
وفي قطاع التعليم تحديدًا، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية. فالدول التي نجحت في بناء أنظمة تعليمية فعالة لم تفعل ذلك من خلال المناهج وحدها، بل من خلال الاستثمار في العنصر البشري المسؤول عن تنفيذ تلك المناهج. لذلك فإن أي إصلاح جاد للتعليم الموريتاني لا يمكن أن يتجاهل أوضاع آلاف العاملين الذين يشكلون جزءًا مهمًا من بنيته التشغيلية.
إن قضية عمال PNP تتجاوز حدود المطالب المهنية الضيقة لتصبح سؤالًا يتعلق بمستقبل الإدارة العمومية نفسها: هل يمكن للدولة أن تحقق الكفاءة والاستقرار والجودة وهي تعتمد بصورة واسعة على فئة ما تزال تنتظر الاستقرار والاعتراف الكامل بدورها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أحد المفاتيح الضرورية لفهم جانب من أزمة الإدارة العمومية في موريتانيا، كما قد تكون مدخلًا مهمًا لأي إصلاح حقيقي يسعى إلى بناء مؤسسات أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على خدمة المواطنين
عبد الله لبات







