لم يسبق لي أن دخلت في نقاشات علنية حول حرب الصحراء، لا لأن الموضوع يفتقر إلى الأهمية، ولا لأنني أفتقر إلى ما يمكن قوله بشأنه، بل لأنني كنت أرى أن هذا الملف ما يزال محاطاً بحساسيات سياسية واجتماعية وتاريخية تجعل النقاش فيه ينزلق أحياناً من البحث عن الحقيقة إلى الاصطفاف خلف المواقف والانتماءات. غير أنني، بعد الاطلاع على التعليق المنشور حول مقابلة العقيد المتقاعد سيد محمد ولد الفايدة، وجدت أن بعض الملاحظات تستحق التوقف عندها، ليس بهدف الانتصار لرواية بعينها، وإنما سعياً إلى قراءة أكثر توازناً للأحداث، تأخذ في الاعتبار تعقيد الوقائع وتعدد زوايا النظر إليها.
يحاول صاحب النص تقديم التدخل الجوي الفرنسي والدعم المغربي بوصفهما دليلاً على عجز الجيش الموريتاني وهزيمته. غير أن هذا الاستنتاج يبدو متسرعاً لأنه يغفل طبيعة العلاقات الدولية والسياق الإقليمي للحرب. فالتدخل الجوي الفرنسي لم يكن، في جوهره، استجابة لطلب موريتاني مباشر، بل كان مرتبطاً أساساً بحماية المصالح الفرنسية في المنطقة. ولا شك أن هذا التدخل شكل متنفساً مهماً للجيش الوطني وساهم في تحسين وضعه الميداني، لكن التركيز على الأشخاص الذين تفاوضوا بشأنه أو نسقوا إجراءاته لا يغير من حقيقة أن فرنسا تصرفت وفق حساباتها الاستراتيجية الخاصة.
أما الدعم المغربي، فقد جاء في إطار التحالفات القائمة بين الدول، وهو أمر طبيعي في مختلف النزاعات والحروب. فالاستعانة بالحلفاء ليست دليلاً بحد ذاتها على الهزيمة، كما أن الدعم الخارجي لا يلغي دور القوات الوطنية ولا يسمح باستخلاص أحكام قطعية حول نتائج الحرب.
لقد ركز النص حصراً على الجانب الموريتاني، وكأن الحرب كانت تجري في فراغ أو بين طرف فاعل وآخر غائب. فأي تقييم موضوعي لحرب الصحراء يقتضي التطرق إلى وضع جبهة البوليساريو، وطبيعة الدعم السياسي والعسكري واللوجستي الذي كانت تتلقاه، كما يقتضي فهم طبيعة الحرب نفسها. فقد كانت حرب استنزاف تعتمد على الحركة السريعة والمباغتة والعمل في فضاء صحراوي مفتوح، وهي ظروف تمنح أفضلية تكتيكية كبيرة للقوات غير النظامية مقارنة بالجيوش التقليدية. كما أن النص أغفل أهمية المبادرة في العمليات العسكرية. فالحروب لا تقاس فقط بالخسائر والأرباح المباشرة، بل أيضاً بقدرة الأطراف على فرض إيقاع العمليات والتحكم في زمان ومكان المواجهة. ولهذا فإن دراسة الحرب من زاوية واحدة تؤدي بالضرورة إلى نتائج ناقصة.
استند النص إلى بعض تصريحات العقيد ولد الفايدة ليستخلص منها نتائج مستعجلة حول وجود السكان الصحراويين وطبيعة تحركاتهم خلال الحرب. غير أن الوقائع المتوفرة لا تدعم بالضرورة هذه الخلاصات. فالسلطات لم تحمل السكان إلى الصحراء ثم تسحبهم منها كما يوحي النص، وإنما شهدت تلك المرحلة انتقال بعض الأسر الصحراوية من المخيمات ومناطق النزاع إلى مناطق مختلفة، مثل بئر أم اكرين وازويرات والداخلة وانواذيبو، مع تقديم المساعدة والتسهيلات اللازمة لها. ومن ثم فإن تحويل هذه التحركات إلى دليل حاسم على سردية سياسية معينة يبقى استنتاجاً يتجاوز ما تسمح به الوقائع نفسها.
من أكثر النقاط إثارة للنقاش في هذا الملف مسألة الانتصار والهزيمة. ويبدو أن صاحب النص ينطلق من فرضية وجود مهزوم واضح ومنتصر واضح، وهو تبسيط لا ينسجم مع طبيعة النزاعات المعقدة. فالحروب لا تحسم فقط في ميدان المعركة، بل تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والدبلوماسية. ولذلك فإن إصدار حكم نهائي بشأن المنتصر والمهزوم في حرب الصحراء يتطلب دراسة شاملة لمجمل الأحداث وتطوراتها ونتائجها على مختلف الأطراف. ولهذا أرى أن الحديث عن انتصار مطلق أو هزيمة مطلقة لا يزال بحاجة إلى الكثير من البحث والتدقيق التاريخي، بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
يستخلص صاحب النص أن انقلاب العاشر من يوليو 1978 أنقذ موريتانيا من الانهيار. غير أن مثل هذا الاستنتاج يبدو متسرعاً، إذ يندرج أكثر في إطار التقييم السياسي منه في إطار الحقيقة التاريخية الثابتة. فالقول إن الانقلاب أنقذ البلاد يفترض ضمناً أن البديل كان بالضرورة انهيار الدولة، وهي فرضية يصعب إثباتها تاريخياً. كما أن تقييم أي انقلاب لا يعتمد فقط على الظروف التي سبقته، بل أيضاً على نتائجه وآثاره على المديين القريب والبعيد..
ولذلك قد يكون من الأدق اعتبار العاشر من يوليو 1978 منعطفاً أساسياً في تاريخ موريتانيا، غيّر بصورة عميقة توجهاتها السياسية والعسكرية. أما مسألة ما إذا كان يمثل عملاً إنقاذياً للدولة أم خطأً تاريخياً، فتبقى موضوعاً مشروعاً للنقاش بين المؤرخين والباحثين.
إن حرب الصحراء كانت حدثاً بالغ التعقيد، تشابكت فيه العوامل المحلية والإقليمية والدولية، وتداخلت فيه الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية. ولذلك فإن أي قراءة جادة لتلك المرحلة يجب أن تتجاوز الروايات الانتقائية، سواء تلك التي تمجد طرفاً أو تدين طرفاً آخر. فالإنصاف التاريخي يقتضي النظر إلى جميع عناصر الصراع: طبيعة الحرب، وإمكانيات الأطراف المتحاربة، والدعم الذي تلقاه كل طرف، وأهمية المبادرة العسكرية، والنتائج السياسية والاستراتيجية للحرب. كما يقتضي الحذر من الأحكام القطعية، سواء تعلق الأمر بالانتصار والهزيمة أو بتقييم أحداث مفصلية مثل انقلاب العاشر من يوليو 1978. فالتاريخ لا يختزل في شهادة واحدة، ولا في رواية واحدة، بل يُبنى من خلال المقارنة بين الروايات المختلفة ووضعها في سياقها الكامل، وهو ما يجعل البحث عن الحقيقة أكثر أهمية من الانتصار لأي سردية مسبقة.
العقيد المتقاعد محمد الأمين الطاب جدو







