من يوروساتوري إلى لواندا.. الدبلوماسية العسكرية الموريتانية وخطوات الحضور الهادئ

بواسطة أبوه مولاي ادريس

من يوروساتوري إلى لواندا.. الدبلوماسية العسكرية الموريتانية وخطوات الحضور الهادئ
احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي 

هناك أحداث لا تستوقف المتابع عند وقوعها، لكنها تكتسب معناها الحقيقي عندما توضع في سياقها. وهذا ما ينطبق على التحركات الخارجية الأخيرة لقيادة الجيش الموريتاني. فمشاركة قائد الأركان العامة للجيوش، اللواء محمد فال ولد الرايس، في معرض "يوروساتوري" الدولي للدفاع والأمن بفرنسا، ثم حضوره بعد فترة وجيزة مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، لا تبدوان مجرد محطتين منفصلتين في برنامج عمل عسكري، بل تعكسان مسارًا آخذًا في التشكل، عنوانه حضور موريتانيا بصورة أكبر في دوائر النقاش المتعلقة بالأمن والدفاع.

هذا الربط لا يعني أن البلاد بصدد تغيير جذري في سياستها العسكرية، بقدر ما يعكس تطورًا طبيعيًا في طريقة إدارة علاقاتها الدفاعية مع الخارج. فالدبلوماسية العسكرية أصبحت اليوم جزءًا من السياسة الخارجية للدول، ولم تعد مقتصرة على الزيارات الرسمية أو مراسم الاستقبال. إنها وسيلة لبناء الثقة، وتبادل الخبرات، وفهم التحولات التي يشهدها العالم، وفتح قنوات تعاون قد تصبح لاحقًا ذات أثر مباشر على جاهزية المؤسسات العسكرية.

كانت محطة يوروساتوري لافتة لأنها أتاحت الاطلاع على أحدث ما وصلت إليه الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية. ولم تعد مثل هذه المعارض مجرد أماكن لعرض المعدات، بل تحولت إلى فضاءات تلتقي فيها المؤسسات العسكرية مع الشركات والخبراء وصناع القرار، لمناقشة مستقبل الحروب، وتأثير الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة الحديثة. وفي ظل هذه التحولات، يصبح الحضور في مثل هذه الفعاليات جزءًا من عملية بناء الرؤية قبل أن يكون بحثًا عن اقتناء المعدات.

أما مؤتمر لواندا، فقد أبرز جانبًا آخر من المشهد، يتعلق بموقع موريتانيا داخل البيئة الأمنية الإفريقية. فالقارة تعيش مرحلة دقيقة، تتداخل فيها التحديات الأمنية مع التحولات السياسية، بينما تشهد منطقة الساحل إعادة ترتيب واضحة في علاقات التعاون العسكري، في ظل تراجع أدوار بعض الشركاء التقليديين وصعود قوى أخرى تسعى إلى توسيع حضورها.

وسط هذه المتغيرات، تبدو موريتانيا متمسكة بخيار ظل يميز سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية، وهو الحفاظ على التوازن في علاقاتها الدولية، والانفتاح على مختلف الشركاء دون الانخراط في سياسة المحاور. وقد انعكس هذا التوجه على المؤسسة العسكرية أيضًا، التي أصبحت أكثر حضورًا في اللقاءات الإقليمية والدولية، مع الحرص على أن يبقى هذا الانفتاح منسجمًا مع أولويات البلاد ومصالحها.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اللقاءات التي عقدها قائد الأركان في لواندا مع عدد من كبار المسؤولين العسكريين، وفي مقدمتهم قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، إلى جانب رؤساء أركان من دول إفريقية مختلفة. فمثل هذه الاجتماعات لا تُختزل في الصور أو البيانات الرسمية، وإنما تتيح تبادل الرؤى حول التحديات المشتركة، وتفتح المجال أمام تطوير التعاون في مجالات التكوين، والتدريب، وتبادل الخبرات.

وفي الواقع، فإن ما يواجهه الساحل اليوم يجعل هذا النوع من التعاون أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، والتهريب، وحتى التهديدات السيبرانية، كلها تحديات تتجاوز حدود الدول، ولا يمكن لأي جيش أن يتعامل معها منفردًا مهما بلغت قدراته.

لكن من المهم أيضًا ألا يُنظر إلى هذا الحراك باعتباره غاية في حد ذاته. فنجاح الدبلوماسية العسكرية يقاس بما تحققه داخل المؤسسة العسكرية، لا بعدد المشاركات الخارجية. وإذا استطاعت هذه العلاقات أن تنعكس على مستوى التكوين، وتطوير القدرات، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة، فإنها تكون قد أدت دورها الحقيقي.

كما أن هذا المسار يكتسب بعدًا إضافيًا مع التحولات الاقتصادية التي تعرفها موريتانيا. فمع تنامي الاستثمارات في قطاع الطاقة، واتساع النشاط البحري، وتطور البنية التحتية، أصبح الأمن يرتبط بصورة وثيقة بحماية المصالح الاقتصادية، ولم يعد مقتصرًا على حماية الحدود بالمعنى التقليدي. وهذا يفرض على المؤسسة العسكرية مواصلة تطوير أدواتها وقدراتها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة.

ومن الواضح أن موريتانيا تراهن على بناء حضور هادئ بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. فهي لا تقدم نفسها بوصفها لاعبًا يسعى إلى فرض نفوذه، وإنما شريكًا يتمتع بالاستقرار والاعتدال، وقادرًا على الإسهام في تعزيز الأمن الإقليمي من خلال التعاون وتبادل الخبرات.

لهذا، فإن الانتقال من يوروساتوري إلى لواندا لا يعبر فقط عن الانتقال من أوروبا إلى إفريقيا، بل يكشف عن اتساع المساحة التي تتحرك فيها الدبلوماسية العسكرية الموريتانية. وهو مسار يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مكانة الدول في عالم اليوم لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بحسن إدارة العلاقات، والانفتاح على الخبرات، والقدرة على تحويل الشراكات إلى مكاسب عملية تخدم الأمن الوطني وتعزز حضور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي.

ويبقى الرهان الحقيقي هو الاستمرارية. فالدبلوماسية العسكرية لا تحقق نتائجها في زيارة أو مؤتمر، وإنما من خلال تراكم الخطوات، ووضوح الرؤية، والقدرة على تحويل الانفتاح الخارجي إلى تطوير حقيقي داخل المؤسسة العسكرية. وعندها فقط يمكن القول إن هذه التحركات لم تكن مجرد حضور في المحافل الدولية، بل جزءًا من سياسة هادئة ترسم لموريتانيا موقعًا أكثر رسوخًا في معادلات الأمن الإقليمي.