طرد الأطفال من المسجد: آثار نفسية عميقة ..

بواسطة وكالة الإعلام …

في المجتمع الموريتاني، يحتل المسجد مكانة مركزية في تشكيل الوعي الديني والأخلاقي، وهو الفضاء الأول الذي يلتقي فيه الطفل بالدين ممارسةً وشعورًا. غير أن ظاهرة طرد الأطفال من المسجد، التي يُبررها البعض بالحفاظ على النظام والسكينة، تحمل في طياتها آثارًا خطيرة تتجاوز اللحظة الآنية، لتطال البناء النفسي للطفل، وعلاقته بالدين، وصورته عن المجتمع.
من نية الإصلاح إلى نتيجة عكسية
قد يكون الدافع الأصلي لهذه الممارسة هو الحرص على طهارة المسجد وهيبته، لكن الإشكال يكمن في طريقة التطبيق. فعندما يتحول هذا الحرص إلى طردٍ قاسٍ أو توبيخٍ علني، فإنه يفقد روحه التربوية، ويصبح سلوكًا مؤذيًا، خاصة حين يُمارس من أشخاص يفتقرون إلى الوعي النفسي والتربوي.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: سلوك يُراد به حفظ المسجد، فيؤدي إلى إفساد علاقة الطفل به.
الآثار النفسية: جرح مبكر في الوعي فالطفل كائن حساس، يتأثر بالمواقف أكثر مما يفهمها. وعندما يُطرد من المسجد أو يُهان داخله، فإنه لا يستوعب السياق، بل يشعر مباشرة بـ:
-        الرفض والإقصاء: وكأن المسجد ليس مكانه
-        الإهانة أمام الآخرين: ما يترك أثرًا في كرامته وثقته بنفسه
-        الخوف من الفضاء الديني: فيرتبط المسجد في ذهنه بالتوتر لا بالسكينة
-        تكوّن عقدة نفسية خفية: تظهر لاحقًا في شكل نفور أو استهزاء
هذه التجارب قد تبدو عابرة للكبار، لكنها بالنسبة للطفل تجارب مؤسسة، تُسهم في بناء نظرته للعالم من حوله.
النفور الديني: بداية الانفصال الصامت فحين تتكرر هذه التجارب، يبدأ الطفل في تكوين موقف داخلي من الدين، ليس مبنيًا على فهم النصوص، بل على تجربته الشخصية المؤلمة. وهنا يظهر خطر حقيقي:
-          ربط الدين بالقسوة بدل الرحمة
-          الابتعاد التدريجي عن الصلاة
-          الشعور بأن المسجد فضاء مغلق للكبار فقط
-          بداية نفور صامت قد يتحول لاحقًا إلى رفض صريح
وفي مرحلة المراهقة، حيث تتشكل القناعات بشكل أوضح، قد يُعيد الشاب تفسير تلك التجارب، فيراها دليلًا على تناقض أو قسوة، مما يعمّق الفجوة بينه وبين الدين.
التناقض السلوكي: ضربة لمصداقية الخطاب الديني فمن أخطر ما تفرزه هذه الظاهرة هو التناقض الصارخ بين:
-          خطاب ديني يدعو إلى الرحمة والرفق
-          وسلوك داخل المسجد قائم على الزجر والطرد
هذا التناقض لا يمر دون أثر؛ فالطفل أو الشاب يلاحظ، ويقارن، ويستنتج. وقد يصل إلى قناعة مفادها:
أن ما يُقال لا يُطبّق، وأن الدين في الواقع مختلف عما يُدرّس. وهنا تتضرر مصداقية الخطاب الديني، ليس بسبب النصوص، بل بسبب الممارسة. السلبية اجتماعيا واخلاقيا.
لا تقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الفرد، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي:
-          إنتاج جيل يشعر بالإقصاء من الفضاء الديني
-          ضعف الانتماء للمجتمع القائم حول المسجد
-          تراجع القيم الأخلاقية المرتبطة بالقدوة الحسنة
-          انتشار صورة سلبية عن المتدينين بوصفهم قساة أو متناقضين
كما أن هذا السلوك يُفقد المسجد أحد أهم أدواره: وهو أن يكون فضاءً جامعًا، لا طاردًا.
مسؤولية الأسرة: الغائب الحاضر
في المقابل، لا يمكن إغفال دور بعض الأسر التي تُفرّط في توجيه أبنائها، فتتركهم دون إعداد أو مرافقة. وهذا يسهم في حدوث سلوكيات غير منضبطة داخل المسجد.
لكن الحل لا يكون بطرد الطفل، بل بـ:
-          مرافقة الأب لابنه داخل الصلاة
-          تعليمه الآداب تدريجيًا
-          توجيهه بهدوء بعيدًا عن الإحراج
فالتربية لا تُبنى بالإقصاء، بل بالمرافقة.
بين الهيبة والرحمة: أيهما نختار؟
الحفاظ على هيبة المسجد أمر مطلوب، لكن السؤال هو: هل تتحقق الهيبة بالقسوة، أم بالرحمة؟
التجربة تثبت أن: الهيبة التي تُبنى على الخوف تُنتج نفورًا، أما الهيبة التي تُبنى على الحب فتُنتج انتماءً.
خاتمة
إن طرد الأطفال من المسجد ليس مجرد سلوك عابر، بل هو ممارسة ذات أبعاد نفسية ودينية واجتماعية عميقة. وإذا استمر هذا الأسلوب، فقد نجد أنفسنا أمام جيل:
-          بعيد عن المسجد
-          متردد في علاقته بالدين
-          متشكك في صدقية من يمثّله
إن بناء علاقة سليمة بين الطفل والدين يبدأ من تجربة إيجابية داخل المسجد. فإما أن يكون المسجد بوابة حب وطمأنينة… أو يتحول – دون قصد – إلى أول أسباب النفور.                        
عبد الله لبات