في الدول التي تُبنى فيها الثقة بين المواطن والإدارة، يُفترض أن يكون العمدة أقرب مسؤول منتخب إلى الناس، والأكثر التصاقًا بمشكلاتهم اليومية، لأنه ليس مسؤولًا بعيدًا في مكتب مركزي أو إدارة مغلقة، بل شخصية صعدت إلى موقعها عبر أصوات المواطنين وثقتهم، وتعهدت لهم – في الغالب – بخدمة مصالحهم، وتسهيل إجراءاتهم، وفتح الأبواب أمامهم. غير أن بعض التجارب الفردية التي يعيشها المواطنون مع بعض الإدارات المحلية تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط المنتخب المحلي بمن انتخبوه.
في يوم 4 مايو 2026، وفي حدود الساعة الثانية زوالًا، قصدت إحدى بلديات نواكشوط بهدف بسيط لا يتجاوز استخراج شهادة سكن لأحد الأقارب، بغرض توثيق تطبيق بنكي. إجراء إداري يفترض – منطقيًا – ألا يستغرق وقتًا طويلًا، ولا يتطلب رحلة من المعاناة أو الوساطات، خاصة أنه يدخل ضمن أبسط الخدمات التي تقدمها البلديات للمواطنين.
لكن بداية الرحلة لم تكن مشجعة. فقد وجدت موظفة يبدو أنها المعنية بإصدار هذه الشهادة، طلبت مني تصوير أوراق المعني لدى محل قريب من البلدية. بعد بحث طويل في المكان، وجدت شخصًا بملامح أجنبية، يعمل في موقع لا توجد عليه أي علامة أو لافتة تدل على أنه يقدم خدمة تصوير الوثائق، رغم توفره على أدوات التصوير.
هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا توفر البلديات الحد الأدنى من التنظيم والخدمات المصاحبة للمراجعين؟ وهل يُعقل أن يُترك المواطن للبحث بنفسه عن أماكن تصوير غير معلنة، وكأنه داخل متاهة إدارية لا نهاية لها؟ إن أبسط معايير الإدارة الحديثة تقتضي وجود توجيه واضح للمواطن، وإرشاد للخدمات المرتبطة بالإجراءات الإدارية.
بعد استكمال التصوير، عدت إلى البلدية وسلّمت الأوراق للموظفة، التي طلبت مني الانتظار. مرّ وقت طويل دون أي جديد، وعندما سألتها عن مصير الورقة، أجابت بأن “العمد المساعدين لم يعودوا من الصلاة”. إجابة قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا للتساؤل حول مدى انتظام الخدمة العمومية، وقدرتها على التوفيق بين ظروف العمل وحقوق المراجعين في قضاء شؤونهم دون تعطيل.
عندما سألتها عن العمدة نفسه، أجابت بأنه موجود في مكتبه. طلبت منها الورقة للذهاب إليه مباشرة، فكان السؤال المفاجئ: “هل تعرفه؟”، قبل أن تتمتم بكلمات لم أفهمها، ثم تسلمني الوثيقة.
وهنا تبدأ القصة في أخذ منحى أكثر دلالة.
صعدت إلى الطابق العلوي، فإذا بعسكري يقف منفردًا على باب مكتب العمدة. لم يكن هناك ازدحام مواطنين، ولا ضجيج أصحاب الحاجات، ولا حتى مشهد يوحي بأن الباب مفتوح أمام الناس. حاولت الدخول، لكن العسكري منعني بشكل حازم. في تلك اللحظة، وجدت نفسي أتساءل: هل أنا فعلًا أمام مكتب عمدة بلدية؟ أم أمام مؤسسة أمنية مغلقة؟
المفارقة أن حل المشكلة لم يتم عبر الإجراءات الإدارية الطبيعية، ولا عبر حقي كمواطن في مقابلة مسؤول منتخب، بل عن طريق المصادفة، حين صادفت أحد المعارف الذي أخذ الورقة بنفسه إلى العمدة وعاد بها موقعة.
هنا يتوقف الحدث الشخصي ليصبح قضية عامة تستحق النقاش.
ماذا عن المواطن البسيط الذي لا يملك “معارف” أو وساطة؟ ماذا عن المرأة الكبيرة في السن، أو العامل البسيط، أو القادم من حي بعيد، والذي لا يعرف أحدًا داخل البلدية؟ هل سيظل واقفًا أمام الباب المغلق؟ وهل أصبحت الخدمات العمومية تُقضى بالصدفة والعلاقات الشخصية بدلًا من المساطر القانونية الواضحة؟
إن وجود عنصر أمني أمام مكتب مسؤول عمومي ليس – في حد ذاته – أمرًا مستغربًا دائمًا، فقد تفرض بعض الظروف التنظيمية أو الأمنية ذلك. لكن السؤال الحقيقي ليس وجود العسكري، بل طبيعة العلاقة التي يصنعها هذا الحاجز بين المنتخب والمواطن. فإذا تحول المكتب البلدي إلى مساحة يصعب الوصول إليها، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون واضحة: المسؤول الذي كان بالأمس قريبًا من الناس في الحملات الانتخابية، أصبح اليوم بعيدًا عنهم خلف الأبواب.
قد لا تنطبق هذه الصورة على جميع البلديات أو العمد، غير أن مثل هذه التجارب تظل كافية لطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة الخدمة العمومية المحلية، ومدى سهولة وصول المواطنين إلى ممثليهم المنتخبين.
خلال الانتخابات، يكثر الحديث عن خدمة المواطن، والانفتاح على الناس، والاستماع لمشاكلهم، والعمل على حلها. تُرفع الشعارات، وتُعقد اللقاءات، وتُطرق الأبواب طلبًا للأصوات. لكن بعد الوصول إلى المنصب، يشعر بعض المواطنين أن العلاقة تتغير، وأن القرب الذي كان قائمًا يتحول إلى مسافة، وربما إلى قطيعة صامتة.
هذا الواقع يخلق نوعًا من الإحباط، بل ويغذي شعورًا متزايدًا بانعدام الثقة في العمل السياسي المحلي. فالمواطن لا ينتظر من العمدة المستحيل، ولا يطلب امتيازًا خاصًا، وإنما يريد فقط إدارة تحترمه، وتُيسر معاملاته، وتمنحه الشعور بأنه شريك في المدينة لا مجرد رقم انتخابي مؤقت.
إن البلديات ليست مجرد بنايات إدارية؛ إنها واجهة الدولة الأقرب إلى الناس، واختبار يومي لمدى احترام الإدارة للمواطن. والعمدة الناجح ليس فقط من ينجز المشاريع أو يظهر في المناسبات الرسمية، بل من يبقي بابه مفتوحًا، ويجعل المواطن يشعر أن الوصول إليه ممكن، وأن صوته مسموع، وأن كرامته محفوظة.
تبقى الأسئلة مفتوحة: لماذا يحدث هذا الانفصال أحيانًا بين المنتخب والمواطن؟ وكيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة؟ وهل يمكن أن تنجح التنمية المحلية دون علاقة مباشرة، إنسانية، ومستمرة بين المسؤول ومن انتخبوه؟
إن قصة بسيطة لاستخراج شهادة سكن قد تبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنها في الواقع تعكس إشكالية أكبر: كيف نريد أن تكون الإدارة المحلية؟ وهل نريد بلديات قريبة من الناس، أم مؤسسات يصعب الوصول إليها إلا عبر المعرفة والوساطة؟
وربما يبقى السؤال الأهم: كيف يشعر المواطن وهو يرى من سعى لنجاحه انتخابيًا، يقف اليوم على مسافة منه، خلف باب لا يُفتح بسهولة؟
بقلم:تماد إسلم أيديه







