ليست الأمم بحاجة إلى مزيد من الأصوات التي تثير الانقسام، بقدر حاجتها إلى الكلمة التي تجمع، والثقافة التي تبني، والأدب الذي يسمو بالإنسان فوق العصبيات الضيقة. ومن هنا اكتسب ملتقى تفريت الأدبي، الذي احتضنته حاضرة تفريت يوم 5 يوليو 2026، أهميته الاستثنائية، إذ لم يكن مجرد لقاء ثقافي، بل إعلانًا عن ميلاد رؤية وطنية تؤمن بأن الأدب أحد أهم حصون الوحدة الوطنية.
وجاء هذا الملتقى بعد أيام قليلة من الإعلان عن تأسيس منتدى ترقية وتوثيق الأدب بمدينة أكجوجت، في مؤشر واضح على أن الساحة الثقافية الموريتانية تستعيد عافيتها، وأن الأدباء والمثقفين بدأوا يستعيدون دورهم الطبيعي في قيادة الوعي الوطني، بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة.
لقد حمل ملتقى تفريت رسالة في غاية الوضوح: موريتانيا أكبر من القبيلة، وأوسع من الجهة، وأسمى من كل أشكال التعصب. وقد تجلت هذه الرسالة في القصائد، والمحاضرات، والحوارات، والإبداعات الفنية التي قُدمت بمختلف اللغات الوطنية، لتؤكد أن التنوع الثقافي ليس مدعاةً للتنافر، بل مصدر ثراء وقوة، وأن الأدب الحقيقي لا يعرف إلا الانتماء إلى الإنسان والوطن.
وكان أجمل ما في هذا الملتقى أنه جمع تحت سقف واحد أدباء وباحثين ومثقفين وسياسيين من مختلف المشارب والاتجاهات، في مشهد يعيد الثقة في قدرة الثقافة على بناء الجسور بين أبناء الوطن، ويؤكد أن ما يجمع الموريتانيين أكبر بكثير مما قد يفرقهم.
كان بودي ويشرفني ايما تشريف أن أكون بين الحضور، تلبية للدعوة الكريمة التي وجهها إليّ أخي الأكبر، الأديب والشاعر والمفكر الأستاذ عبد الله العتيق ولد أياهي، أحد أبرز المؤمنين برسالة الأدب في خدمة الوطن والإنسان.
غير أن ظروفًا استثنائية حالت دون ذلك، فاكتفيت بمتابعة فعاليات الملتقى ومداخلاته، وكانت كافية لأدرك أن تفريت لم تستضف مجرد مهرجان أدبي، بل أسست لظاهرة ثقافية وطنية مرشحة لأن تكون محطة مضيئة في تاريخ الحركة الأدبية في موريتانيا.
لقد أثبت ملتقى تفريت أن الأدب ما يزال قادرًا على أداء رسالته الكبرى؛ فهو يجمع حين تتفرق المواقف، ويبني حين تهدم الخصومات، ويمنح الوطن لغة مشتركة يتحدث بها الجميع. وإذا كانت السياسة كثيرًا ما تصنع الاختلاف، فإن الثقافة قادرة على صناعة التوافق، لأن الكلمة الصادقة لا تعرف الإقصاء، ولأن الأدب بطبيعته فضاء رحب يتسع للجميع.
إن مستقبل موريتانيا لن يصنعه الخطاب المتشنج، ولا النزعات الضيقة، وإنما يصنعه الوعي، والثقافة، والعلم، والأدب. ومن هنا فإن الرهان على النخب الفكرية والثقافية ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية لحماية الهوية الجامعة، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح.
فتحية تقدير لكل من أسهم في إنجاح ملتقى تفريت، ولجميع الأدباء والمفكرين والفنانين الذين آمنوا بأن الكلمة يمكن أن تكون مشروعًا للوحدة، وأن القصيدة قد تصبح جسرًا بين أبناء الوطن.
لقد قالت تفريت كلمتها... وأثبتت أن الأدب، حين يكون صادقًا، لا يكتب القصائد فحسب، بل يكتب مستقبل الأوطان.







